في التسعينات من القرن الماضي -كما اذكر- يصطحب عشرات الأباء عوائلهم في العيد ليتخذوا وجهة واحدة إلا وهي المسرح
بأنواعه الثلاث في الكويت : الكوميدي , الرعب و الطفل , حيث تقضي العائلة أمسية ساحرة وهم يشاهدون لوحة تبث همومهم و
مشاكلهم بقالب يرتضيه الطفل قبل البالغ ,ومن المظاهر الوهاجة في المسرحية : أن تخلق شخصية المرأة البلهاء يؤديها ممثل
رجل , وبمجرد رؤية شكل الرجل وهو يرتدي تنورة أو دراعة مع حجابا ووجهه ملطخا بالمكياج , يضحك الجمهور قبل أن يؤدي
الممثل أي حوارا , وقد اشتهر في تلك الأدوار - حسب تلك الحقبة - الممثل عبدالناصر درويش , الذي يضيف طعما لاذعا لأي
مسرحية يشارك بها.
تندمج الأسرة كليا مع قصة المسرحية , حتى يكون لكل فرد فيها ميلا يتوافق مع أحد شخصيات المسرحية أو أكثر , فيصبح لهم
نفس الإتجاهات و القيم و الأهداف و أحيانا نفس التفكير , فتقف الأم في الأسرة مع الأم في المسرحية جنبا إلى جنب , ويدافع
الصبي بشراسة عن الصبية في المسرحية , و تتعلق البنت بشخصية العمة - إلما - في المسرحية , إلى أن تنتهي المسرحية
ليعود كل منهم لممارسة حياته الطبيعية
.
وحين خرجت التكنولوجيا من الدخان والضباب , انتكست كل تلك المفاهيم القديمة و تلاشت كل تلك القيم , فأصبح المسرح ساحة
لتراشق الضغاط والأفيهات المدروسة بتأني لإضحاك الجمهور , التي تختلف عن الأفيهات العفوية في السابق التي تخرج من
أفواه الممثلين فترتد أصداء في المسرح كله , وتمتزج مع هواء المسرح الهادئ , لتنتهي بإقتحام أذان الجمهور مسببة
إضحاكهم , .
و أصبحت المسرحيات بلا أي أتجاه فكري أو هدف واضح , يذهب الناس إليها للضحك فقط دون أي فائدة ترجى , فهذا النوع من
المسرحيات يقمع الجمهور بإضاعة وقته بدلا من أن يثريه , وإن الباحث عن الإفادة في هذا النوع من المسرحيات كمن يبحث
عن نملة في جسد حوت , لن يلقاها و إن كانت موجودة ,قد بدأت المسرحيات الهابطة بالتغلغل في جسد المسرح مع مطلع القرن
الحالي , وقد بدأ السيناريو يتكرر كل سنة و بأسماء مكررة و تسفيهية مثل : مدينة الظلام , خمس صيادات , ريمي و عصاب
ة عزوز , ليلى والذيبين , طيور الجنة , سكوبي دو , كم هائل من الأسماء الفليتية ننساها قبل حلول العيد المقبل , ومن
تجاربي السابقة مع العديد من المسرحيات الحديثة , فإني أتحسر على إمبراطورية المسرح الفانية , أين سيف العرب ؟ أين
البيت المسكون ؟ أين خمسة وخميسة ؟ أين لولاكي ؟
بالنسبة لي , ففي يوم من الأيام و أنا أبحث عن مسرحية كوميدية من الزمن العتيق ضمن تلال من أشرطة الفيديو القديمة ,متكأ
على أريكة الصالة , دخل أبي ومعه عامل هندي ليصلح اللمبة , فأعطاه سلما و أخبره بأن سيرجع بعد خمس دقائق , وما
مرت دقائق معدودة , حتى خرج أخي الصغير إلى الصالة , فضرب زر تشغيل اللمبة بسرعة و لاذ بالفرار بعدها , ليأكلها العامل
متكهربا هائما على الأرض , وهمت أنا على الأرض من الضحك, انطلقت ضحكاتي في أرجاء البيت كلها لتمتزج مع أنات العامل
الهندي البائس . مع تجاهل ما كتبته في أعلى الصفحة , فإننا لا نحتاج إلى مسرح أحيانا لكي نرى مسرحية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق